ليدا والبجعة والإيروتيكا وبوليس.. عن الأسطورة وتناولها فنياً بأكثر من زمن وأسلوب

leda & swan

كان النص مقتضباً، الصورة أقرب لتكون بحجم “آيكون”، لعلّ ذلك ما لفت نظري إليه بالأساس أثناء تصفّحي لمجلّة ذا ويك. الخبر عادي؛ شرطة لندن ترغم أصحاب غاليري على إنزال الصورة المعروضة إلى خارج الغاليري كعنوان للمعرض القائم، لأن الصورة تدعو إلى ما يجرّ للإدانة والحبس. بعد نقاش أصحاب الغاليري الخائب مع البوليس، أنزلوا الصورة واستكمل كلٌ عمله.

قد لا يستحقّ الخبر أكثر من المساحة المخصصة له في “ذا ويك” أو حتى في “ذا تيليغراف” التي خجلت على ما يبدو من عرض الصورة عينها (التي عرضتها ذا ويك بحجم أيقوني) فعرضت منحوتة للموضوع ذاته تعود للقرن السادس عشر، لولا أن تفصيلاً بسيطاً مُرّر في الخبر قد أثار إعجابي وهو محاولة أصحاب الغاليري إفهام عناصر البوليس أن الصورة الفوتوغرافية تمثيل حديث للموضوع الميثولوجي “ليدا والبجعة” وأن الموضوع مُثّل في الكثير من الأعمال الفنيّة، بل وأنه لم يُعتبر مسيئاً في العصر الفيكتوري كموضوع إيروتيكي، وأن عناصر البوليس ردّوا بأنهم لا يعرفون شيئاً عن الأمر لكنهم يعرفون أن على الصورة أن تُزال من مكانها وفوراً لأنها تحرّض على ما يمكن تسميته بالعربية “البهيمية”، وبالانجليزية: bestiality، أو زوفيليا Zoophilia، وهي العلاقة الجنسية بين الآدمي والحيوان، ما يجرّ للإدانة والحبس.

قد طرح السينمائي الأميركي وودي ألِن فكرة الزوفيليا في أحد أفلامه أوائل السبعينيات وهو Everything You Always Wanted to Know About Sex But Were Afraid to Ask، وكانت مقاربة ألِن ساخرة من الموضوع برمّته، ولعلّه لم يتوقّع أن البوليس الإنغليزي سيمنع بعد أربعين عاماً عرض صورة فوتوغرافية اسمها A Fool for Love تمثّل مقاربة المصوّر البريطاني ديريك سانتيني لا لفكرة الزوفيليا، بل لفكرة ميثولوجيّة شهيرة جداً، لم يكن هو أوّل من قاربها فنياً.

ليست مشكلتي الشخصية في الحرية الإبداعية عند اللندنيين ولستُ هنا أدافع عنها، مجتمعاتنا العربية أَولى بذلك، لمدى تسلّط البوليس أولاً، والدين ثانياً، والمحافظة الاجتماعية ثالثاً، وطبعاً لانتمائي إليها أولاً وأخيراً. إلا أن مشكلتي بالأساس (ومبرّر هذه المقالة) هي مع العقلية البوليسية أينما تواجدت، كنقيض للعقلية الإبداعية، الأولى بما تحمله من قمعية وسلطوية، والثانية بما تمثّله من تحرّرية وفنّية وجمالية.

لن يكون الإبداع، الإيروتيكي منه تحديداً، إلا على النقيض تماماً من العقلية القمعية أكانت بوليسية أم دينية أم اجتماعية، ولن تشفع له أمامها لا الميثولوجيا الإغريقية وآثارها ولا فنون عصر النهضة (ولا رقصة باليه بطبيعة الحال)

قلت بأن سانتيني لم يكن أول من قارب “ليدا والبجعة” فنياً، فقد سبقه عشرات الفنانين، وبأسلوب فنّي يتخطّى بطبيعة الحال الأفق الإدراكي البوليسي، كما عند ليوناردو دافينشي ومايكل أنجلو وأنطونيو داكوريغو وفرانسوا بوشير وبول سيزان وفرناندو بوتيرو وآخرين كثر، في لوحات ومنحوتات. كما قاربها شعرياً ويليام ييتس في قصيدته التي تحمل العنوان الذي حملته معظم، إن لم يكن كل، الأعمال الفنية: Leda and the Swan، والتي قال فيها الناقد الأميركي كاميل باليا بأنها “القصيدة الأعظم في القرن العشرين”. لكن كل ذلك لم يشفع للصورة الفوتوغرافية عند عناصر البوليس المتجمهرين، وبعضهم بملابس مدنيّة كما ذكر الخبر، عند باب الغاليري يطالبون أصحابه بإنزالها لأنها، بالنهاية، تحرّض على البهيمية، وبالتالي خيانة النساء لشركائهم مع البجع على ما يبدو!

ليدا والبجعة، هي موضوع فنيّ في الميثولوجيا الإغريقية، ويُعتبر من أشهر التصويرات الفنيّة للإيروتيكا، وتحكي أن زيوس، ربّ الآلهة، وقد تحوّل على هيئة بجعة، اجتاح ليدا من بين فخذيها واغتصبها.

لن تهمّنا هنا تفاصيل الأسطورة أو القصيدة حيث يرويها ييتس، قدر ما يهمّنا أن صورة فوتوغرافية قد تمّ تجريدها (بوليسياً) من سياقها الفنّي كتمثيلٍ ضمن سلسلة طويلة من الأعمال الفنيّة، قد لا تكون أولها منحوتة إغريقية لتيموثيوس في القرن الرابع قبل الميلاد.

لن يكون الإبداع، الإيروتيكي منه تحديداً، إلا على النقيض تماماً من العقلية القمعية أكانت بوليسية أم دينية أم اجتماعية، ولن تشفع له أمامها لا الميثولوجيا الإغريقية وآثارها ولا فنون عصر النهضة (ولا رقصة باليه بطبيعة الحال).. كان هذا في منطقة مايفير، وسط مدينة لندن، إحدى عواصم الفنون الحديثة والمعاصرة في العالم.

حسناً، أين مجتمعاتنا من ذلك؟ لا أقصد طبعاً أن ننشر الصورة الفوتوغرافية عينها كعنوان لمعرض قائم في مركز عاصمة عربية. بل أقول أين نحن، على الأقل، من فكرة أن يناقش أحدنا عنصر بوليس (أو حتّى سِكيوريتي)، أو رجل دين مثلاً، محاولاً إفهامه أن للعمل بعداً ميثولوجياً، وأنه لا يدعو للبهيمية، بل هو تصوير حديث لموضوع سبق وصُوّر في القرن الرابع قبل الميلاد.

في مجلة الغاوون

التصنيفات: فن, نساء, حريات

Author:سليم البيك

كاتب وصحافي من فلسطين

لا يوجد تعليقات.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 144 other followers